تعرف على محمد الرسول الإنسان
  الحرية 3
 


كما إنهم كانوا يبرروا بالتقليد الأعمى للآباء والتعصب لدينهم: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ). وحقاً كانت رسالة النبي رسالة العلم والنور. فإن أولئك الذين اتبعوا تلك الرسالة، والتفوا حول دعوة النبي، وهم الفقراء العبيد والمستضعفون الذين وجدوا في دعوته الخلاص والمفتاح لباب الحرية والكرامة والهدى. هؤلاء الحفاة العراة حولهم نبي الإسلام بعد أقل من ربع قرن من الزمن إلى بناة حضارة وحملة مشاعل العلم والحرية إلى شعوب العالم. يدخل واحد منهم على (رستم) قائد الفرس قبيل معركة (القادسية) بعد أن طلب من المسلمين أن يرسلوا إليه وفداً ليباحثهم ويباحثوه ويفاوضهم ويفاوضوه، فندب المسلمون جماعة منهم (المغيرة بن شعبة) ليكون ممثلهم إلى (رستم). (فلما وصل إليهم وهم على زيهم وجد بسطهم أدنى من مجلس رستم (أي كان لرستم كرسي خاص لا يدنوا إليه أحد). فجاء وجلس مع رستم على سريره فغضب وأمر بإنزاله عن السرير فالتفت المغيرة إليه قائلاً: (إنني لم أرى أسفه منكم، إننا معاشر المسلمين لا يستبعد بعضنا بعضاً فظننتكم كذلك، وكان أحسن بكم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض). (مع إنني لم آتكم وإنما دعوتموني، فقد علمت أنكم مغلوبون ولن يقوم لكم ملك على هذه السيرة). فتكلم رستم فعظم من شأن الفرس ثم قال بكل غرور وكبرياء: (كانت عيشتكم سيئة تقصدوننا في الجدب فنزودكم بشيء من التمر والشعير، ولم يحملكم على ما صنعتم إلا ما بكم من جهد، فنحن نعطي لأميركم كسوة ونعلاً وألف درهم وكل رجل منكم حمل تمر وتنصرون فلست أشتهي قتلكم)!!. فلم يكن من المغيرة إلا التفت إليه قائلاً: (أما الذي وصفتنا به من سوء الحال والضيق فنعرفه ولا ننكره والدنيا دول.. والشدة بعدها رجاء، ولو شكرتم ما آتاكم الله لكان شكركم قليلاً على ما أوتيتم، وقد سلمكم الله بضعف الشكر إلى تغير الحال. وإن الله قد بعث فينا رسولاً يدعونا إلى كذا فإن أبيتم فأمر أهون من ذلك الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة (الحرب). ولما خرج المسلمون لفتح مصر رغب المقوقس في المفاوضة أيضاً، فأرسل إليهم وفداً لعلم ما يريدون ثم طلب منهم أن يبعثوا إليه وفداً منهم. فشكل عمرو بن العاص (قائد الجيش آنذاك) قوامه عشرة من المسلمين برئاسة (عبادة بن الصامت) وكان شديد السواد. ولما دخل الوفد على المقوقس تقدمهم عبادة، فأبى المقوقس أن يكلمه رجل أسود ـ من شدة تجبره وكبرياءه ـ وقال لمن معه: (نحّوا عني هذا الأسود وقدموا غيره ليكلمني)، فقال الوفد جميعاً: (إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره وأمرنا أن لا نخالف رأيه وقوله). قال لهم المقوقس: (كيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون دونكم؟). قالوا: (كلا إنه وإن كان أسوداً كما ترى فإنه أفضلنا موضعاً وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأياً وليسن ينكر السواد فينا). هكذا حرر النبي الإنسان من قيود الجهل والظلم والظلام وحطم مقاييس التفرقة العنصرية والتمييز الطبقي بين أبناء المجتمع، وأعطى الإنسان شعوراً بالكرامة والسيادة والثقة بنفسه، والمساواة مع أبناء جنسه.. (لا فضل لعربي على أعجمي ولا ابيض على اسود إلا بالتقوى). وأصبح المسلمون ـ حملة رسالة العدل والأخوة والمساواة إلى الشعوب الرازحة تحت نير الطغاة والمستعبدين والواقعة تحت وطأة الظلم والتمييز الطبقي.. وهكذا حرر الإسلام شعوب العالم.. عندما حرر الفرد وأشعره بقيمته الإنسانية.. وحرره من سيطرة الأسياد والمستكبرين.. والمتحكمين في مصيره.. الإسلام جعل الإنسان حراً في اختياره وتقرير مصيره بنفسه فقد وضع الإسلام مقياساً واحداً للحكم والرجوع عليه.. وهو العقل والمنطق.. فالعقل وحدة مقياس للحق والعقيدة. وإذا تحرر العقل من سيطرة الجهل والشهوات والتظليل والإغراء.. فإنّه يبصر النور ويهدي الإنسان إلى السعادة. إن القيود المفروضة على عقل الإنسان والتي تمنعه من التفكير الحر والصائب هي: 1ـ قيد الجهل والشهوات والأهواء النفسية. 2ـ قيد التقليد الأعمى واتباع الآباء. 3ـ قيد المضللين وأصحاب الأغراض والمصالح المتحكمين في المجتمع. وهؤلاء لا يشكلون الطاغوت في اصطلاح القرآن. والطاغوت الذي أمرنا القرآن بالكفر به وعدم الخضوع له يظهر في ثلاثة وجوه أو يعتمد على ثلاثة أركان هي: 1ـ القوة. 2ـ المال. 3ـ الإعلام. ويمثلهم في التاريخ فرعون رمز التسلط والطغيان السياسي، وقارون رمز الاستثمار والطغيان الاقتصادي، وبلعم بن باعورا رمز التضليل الإعلامي واستغلال ستار الدين من قبل الرجعية. فهؤلاء كلهم وقفوا في صف واحد ضد النبي موسى ورسالته التحررية. وحينما جاء النبي ووجد هذه الفئات المتحكمة في المجتمع ثار في وجه هذه الفئات.. وكسر قيودها المسيطرة على الناس حينئذ. فثار ضد الأصنام وسدنتها الذين كانوا يسيطرون على عقل الإنسان وشعوره، ويبتزون طاقاته عن طريق تقديس الأصنام وعبادتها في الكعبة. لقد كان تجار قريش يستغلون الدين والعبادة المقدسة عند الكعبة للتجارة والمصالح، فكانوا يستغلون السذج والبسطاء، ويظللونهم ويملأون عقولهم بالخرافات والجهل. وكانت سدانة البيت بيد تجار مكة وأثريائها. وكانت المصالح تتركز في يد طبقة من البرجوازيين والأثرياء أمثال أبي سفيان وأبي جهل وأمية بن خلف ورؤساء القبائل.. وهم يسيطرون على كل شيء، ويتحكمون في كل شيء، ويستغلون كل شيء من اجل مصالحهم المادية. فكان الإنسان يعيش تحت سيطرة هذه الطبقة الأرستقراطية، ولا يملك حرية التفكير والتعرف والخروج على هذه المعتقدات والأفكار التي ينشرونها.. وهي: عبادة الأصنام والأوثان وتقديم القرابين والنذور لها، فكانت واردات هذه الأصنام تصب في جيوب أولئك الأغنياء والمستغلين. بالإضافة إلى مظاهر الميوعة والتحلل والفساد الخلقي التي كانت منتشرة في ذلك الجو الموبوء.. وهي التي كانت تستهوي شباب مكة والعرب فكانت تجلبهم إلى سوق عكاظ.. لاقتراف المجون والتحلل، في سائر المراكز والمحلات.. فكان ينظر النبي إلى هذه المظاهر بعين الاشمئزاز والتقزز، وكان يدعوه هذا المحيط الموبوء والبيئة الفاسدة بل وتلجئه إلى الهروب من مكة واللجوء إلى جبالها وشعابها المقفزة، والاختلاء بنفسه، والتفكير، والانقطاع، والتبتل في غار حراء على بعد ثمانية أميال من مكة في وسط جبل خشن سمي فيما بعد بجبل النور.
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=